123

أنت هنا

الشيخ الآصفي تجلت له صورة الله في الفقير 1

    -A +A

    د. عبدالجبار الرفاعي

    في الصورة : عبد الجبار الرفاعي وفي حجره ولده محمد حسين الرفاعي ، مع المرحوم الشيخ محمد مهدي الأصفى سنة 1988

    حين كنت تلميذاً في الثانوية طالعت كتابات الشيخ الآصفي، وحرصت على ملاحقة كل ما أعثر عليه من مقالاته المنشورة في دوريات: "الأضواء، النجف، رسالة الإسلام، الايمان.. وغيرها". واعتدت على اقتناء كل جديد له، ومطالعته فور عثوري عليه. ولعل آخر مؤلف له أثار اهتمامي هو: "دور الدين في حياة الإنسان"، صدر منتصف سبعينيات القرن الماضي، وهو كتيب يشرح مفهوم الدين، ويستعرض ويناقش النظريات المتنوعة في تفسيره، ولفرط إعجابي بهذا الكتاب قمت بترويجه بين زملائي، وتدريسه في حلقاتي، فقد كنت أهتم بتعليم مجموعات من تلامذة الثانوية والجامعة مؤلفات السيد الشهيد محمد باقر الصدر، وكتاب الشيخ الآصفي هذا.

    اللقاء الأول بالشيخ الآصفي كان قبل أكثر من أربعين عاماً في جامع "النقي" في الكويت. إذ كان يصطحبني إلى الصلاة يوم الجمعة، أخي " أبوعادل، شريف القحطاني" حين كنت أمضي العطلة الصيفية في الكويت. بعد أن نصلي خلف الشيخ الآصفي يتحدث للمصلين بصوت دافيء، يشرح عادة مفهوماً إسلامياً من منظور قرآني. وهكذا كنا نحضر دروسه الأسبوعية التفسيرية في ديوانية جامع النقي، وقاعة جمعية الثقافة الاجتماعية. للمرة الأولى أتعرّف على تفسير "الميزان" للعلامة الطباطبائي من خلاله، ذلك أنه كان يحمله أحياناً لحظة يفسّر الآيات، ويهتم بالاستناد إليه كمرجعية في بيان مدلولاتها، وهو يهتم بتوضيح لغة الميزان المكثفة الدقيقة المشبعة بالمصطلحات للمتلقين، بشرحها وتبسيطها عبر الأمثلة الحسية، وإن كانت معانيها مجردة. 

     أسلوبه في الحديث يجذبني، إذ كنت أنتبه لكل عبارة يقولها، وكل كلمة يتلفظها، وتهيمن على مشاعري تعبيرات وجهه المشبعة بالمعنى، وإيماءات جسده الروحية الموحية، وحركات يديه المسالمة. لا أتذكر ما يشي بعنف في صوته، أو فضاضة في كلماته، أو خشونة جسده. لم أكن أعلم عند مطالعة كتاباته قبل لقائي به أن صورته والهالة الروحية لشخصيته ستكون ملهمتي أيضاً.

    الآصفي كائن عميق، ممتلئ عالمه الجواني، متأمل، هادئ، قليل الكلام، يؤثر الصمت، يتقن فن الإصغاء لمتحدثه، لا يغرق في الهذيان، مثلما يفعل أولئك المتعالمون، ممن يتكلمون ولا يصمتون، ذلك أنهم  يتكلمون لأجل الكلام، كي يعلنوا عن وجودهم، ويعملوا على تحقيق ذاتههم بالكلام فقط، لا بالفعل.كذلك لم يكن الآصفي يخوض في مثالب الآخرين، ولا يحترف صناعة الأحقاد والكراهية والهجاء، ولا ينشغل بالشكوى والضجيج، ولا يبدي التشاؤم والتذمر والسأم من الأيام.  

    ابتكر الآصفي لنفسه نموذجه الخاص، الذي لا يشبه فيه إلاّ ذاته؛ نموذجاً يتجلى فيه: نضجه الروحي، وتوازنه الأخلاقي، وحكمته العملية، وهو ما تفرّد به، إذ احتفظ بسلوك ومواقف ظلت موضع سجال بين مريديه وسواهم. فهو مثلاً استمر وفياً لأستاذيه: "آية الله الخميني، وآية الله الخوئي". في أوقات عنفواننا الثوري وذوباننا بالثورة الإسلامية في إيران وقائدها آية الله الخميني، وتشديدنا على نفي ما سواها. وانفعالنا وغضبنا من مواقف آية الله الخوئي. كنا نرى العالم بعين واحدة، ولا نكاد نبصر سوى لونين، إما الأبيض أو الأسود، لذلك نندهش ـ نحن الثوار ـ من مواقف الآصفي المساندة المدافعة عن آية الله الخوئي، بالرغم من دعمه وانخراطه في الثورة الإسلامية في إيران وتمسكه بقائدها. بل كان بعضنا يسيء الظن بالشيخ، ويتهمه بازدواجية المواقف، حيث تلتبس لديه مواقفه؛ حتى أدركت أنا لاحقاً ـ قبل أكثر من ربع قرن ـ صواب موقف الآصفي في دعم أستاذيه، حين اكتشفت متأخراً ـ بعد دراسة وتدريس الفقه والأصول سنوات طويلة في الحوزة ـ مكانة السيد الخوئي العلمية، ودوره في حماية ما تبقى من ميراث المرجعية والحوزة في النجف، بعد هيمنة سلطة صدام الفاشية على العراق.

    حين أصدرت محور "الفكر السياسي الإسلامي"، في العددين الأول والثاني لمجلة قضايا إسلامية معاصرة عام 1997، دعوته للكتابة، فوضع تحت يدي تقريراته لدرس أستاذه الإمام الخميني في حوزة النجف، وسألته إن كانت منشورة من قبل، فأخبرني بأنه لم ينشرها، وأن الدرس كان بالفارسية، لكنه يترجمه للعربية ويكتبه مباشرة. وأضاف أنه قدّم ما كتبه لأستاذه، وأطلعني على تعليقات وإشارات الأستاذ الإمام على حواشي النص. لكنه اقترح فيما بعد إرجاء نشر التقريرات إلى أجل غير مسمى، فأعدتها له.

    تميز الآصفي بعمق تجربته الروحية، وثراء حياته الأخلاقية، وشفقته على الناس. وكأن صورة الله تتجلى له في المحرومين والمهمشين والبؤساء والفقراء واليتامى والمساكين، أي أنه كان يرى الى هؤلاء بوصفهم صورة الله في الأرض. لذلك تفرغ لهذه المهمة، فتكفل أعداداً كبيرة منهم في مخيمات اللاجئين ومختلف مواطن إقامتهم. وبنى مؤسسات خاصة تتكفلهم، وضع لها أنظمة حسابات خاصة، ومعايير صرف صارمة، وطرق مراقبة وتدقيق تفصيلية، يوليها عادة لمتطوعين في الخدمة الاجتماعية، وإن كان هو لا يكف عن المتابعة والتفتيش والملاحقة حتى للتفاصيل الجزئية، وهو في كل ذلك يمارس نمطاً قاسياً من التقشف في النفقات على نفسه والفريق المتطوع معه، ويعيش حالة الزهد والتعفف في الإنفاق، بنحو طالما أرهق العاملين معه، فاعتذروا من مواصلة المسار في مؤسساته؛ لعجزهم عن تحمل الحرمان والزهد الذي كان يفرضه بقساوة على نفسه وعائلته، وكل من يعمل معه. هكذا رأيته، وهكذا حدثني أصدقاء عملوا معه، ولم يطيقوا ذلك. ولعل من أطرف ما سمعته من تذمر بعضهم، هو أنهم حين يسافرون معه في مهمة إنسانية، لإغاثة لاجئين أو رعاية محرومين أو الإنفاق على يتامى وفقراء ومساكين، فإنهم حين يدخلون المطاعم أوقات الغداء أو العشاء، عادة يسأل هو عن أرخص أنواع الطعام، فيوصي به له ولهم. يقول أحد الأصدقاء لم أستسغ الطعام الرخيص الذي طلبه الشيخ الآصفي في إحدى السفرات، فقلت له شيخنا: أتسمح لي أن أتغدى من الطعام كذا، الأغلى. فأجابني: لا مانع لدي، إن كان ذلك من مالك الشخصي، لا من أموال اليتامى والفقراء والمساكين، المؤتمنين عليها نحن. وأتذكر سنة 1986 زرته في منزله وقت الظهر، وكنت أواصل الحديث معه في بعض القضايا الفكرية، ولما تأخرت دعاني للغداء معه. فقدمت زوجته المرحومة أم ابتهال طبق الطعام، الذي كان متواضعاً جداً،كافة مكوناته هي الأرخص في الأسواق الشعبية.لم أتناول منه إلاّ اليسير، وكففت عن المضي في تناوله بعد قليل، وحين دعاني للاستمرار تظاهرت بالشبع، وان كان هو قد واصل رحمه الله تناول الطعام بشكل عادي، لأنه اعتاد عليه. وعند عودتي للمنزل سألتني زوجتي إن كنت تغديت في منزل الآصفي، فقلت لها: تعرفين زهد الشيخ الآصفي وتقشفه في العيش، الذي لا يطيقه شخص مثلي، فقدمت لي الطعام الذي أعدته للغداء.

    يقول الصديق الشيخ رياض الناصري: انه في عام 1985 جاءت المرحومة أم ابتهال زوجة الشيخ الآصفي الى منزلنا، وقالت انها تريد أن تسافر لارسال مساعدات الى مخيمات اللاجئين العراقيين في مدينتي "أزنه والأهواز" في ايران، وهي تطلب استعارة عباءة زوجتي المرحومة أم ضياء، لأن عباءتها كانت قديمة جداً، قد تغير لونها من الشمس، فأعارتها أم ضياء العباءة مدة السفر.

    لم يتخذ الآصفي لنفسه وعائلته بيتاً فارهاً، أو قصراً منيفاً في الأحياء الراقية بقم، بل أنه لم يشتر بيتاً، وانما لبث يعيش وعائلته في البيت الصغير القديم، في الحي الشعبي ذاته، طيلة فترة اقامته في هذه المدينة. وهو بيت كان ورثه من المرحومة والدته.

    تدفقت الأموال على الشيخ الآصفي كالشلال من منابع شتى في مختلف البلدان، يقدمها بسخاء وثقة: رجال أعمال وتجار ومحسنون؛ وهو مع كل ذلك لم يسقط في فتنة المال، ولم يستغله لأغراض شخصية أو حزبية أو سياسية. لم يتحول الدين في حياته إلى سلعة يتكسب بها و يرتزق منها. وظل على الدوام ينشد إغاثة المحرومين، بغض النظر عن انتمائهم،كانت الإنسانية نصابه في الإنفاق على حاجات الناس.

    نقل لي أحد وكلاء المراجع المعروفين في قم، أنه والشيخ الآصفي ومجموعة من المسؤولين في المدينة اجتمعوا لمناقشة مشاكل المهاجرين العراقيين قبل سنوات. يقول: لكن الآصفي نبهنا إلى مشاكل المهاجرين الأفغان أيضاً. وقال: إن معاناتهم لا تقل عن معاناة العراقيين، فلماذ لا نفكر في متاعب الكل. وطلب منا أن نفكر بهم جميعاً، ونقترح حلولاً لمشكلاتهم معاً.   

    يجمع الكل على نزاهته، يثق الكل بنظافة يده، يعرف الكل تعففه، يرى الكل زهده.لم أجد إجماعاً على زهد وتعفف شخص سواه من رفاق الدرب.

    لم يستأثر بما يصله من مال فيكتنزه لورثته، ولم يوظفه في رفاه عائلته، ولم يستغله في ابتزاز حاجة تلامذته للعيش، ويساومهم على رغيف الخبز، فيسطو على إنتاجهم الفكري وينشره باسمه.

    وجد الفقراء والمساكين ملاذهم لديه، واكتشفوا أبوته لهم جميعاً، وعرفوا أن سعادته تكمن في رعايتهم، وتأمين متطلبات حياتهم، وهو مالم يعثروا عليه لدى سواه.

    من هنا تحدث وكتب كل من يرثيه عن البعد الروحي في شخصيته، وأخلاقيات الزهد والتعفف في سلوكه، حتى تساءل بعض الأصدقاء، قائلاً: لماذا يُختزل الآصفي بذلك، ولا يشار الى الأبعاد الأخرى في شخصيته. فقلت له: علمه وتفسيره وفقاهته لا ينفرد بها، لكن حياته الروحية وأخلاقيات الزهد والتعفف في شخصيته مما ينفرد به. وهذه السمات هي ما تسامت بها شخصيته، فاستقطبت الفقراء والمساكين. وجعلته أسوة ومثالاً استثنائياً، في زمن يفتقر فيه الناس للأسوة العملية التي يهتدون بسلوكها وتجربتها الروحية.

    رغم ما يجتاح عالمنا من حزن، ويتجرعه من مرارة، ويغرق فيه من ظلام، غير أن في الحياة بؤر ضوء يبحث عنها الناس،كي يستلهموا الحلم بغد أجمل، ويتذوقوا ألوان صور خرائط الوجود المدهشة. بؤر الضوء هذه هي شخصيات؛ روحية، أخلاقية، واثقة بالله، متفائلة، مفعمة بحب الله والانسان والعالم، ملهمة. الثقة بالله تبدد اليأس، تشفي المرء من العدمية، تضئ ماهو مظلم في عالمه الجواني، تبعث لديه التفاؤل، وتمنحنه القدرة على عبور ما تمتلئ به دروب الحياة من أشواك. ليس هناك من وجع إلاّ ويمنح الله المرء القدرة على احتوائه وتحمله. عبر هذه الشخصيات الروحية الأخلاقية الملهمة يطمئن الانسان أن للعالم إلهاً لا تغيب رحمته، ولا ينقطع لطفه، ولا ينضب معين عنايته. ويشعر أنه يمتلك معنى للحياة، وسببا للبقاء، ولديه ما يوصله بالسماء، ويربطه بالأرض. الثقة بالله وحب الله هما جسر العبور من الأرض إلى السماء، بهما يستطيع الانسان مقاومة أوجاع الحياة. ويقوى على تحقيق ذاته، وأن يكون هو.

    لاحظت أن انهيار التدين لدى بعض الشباب يرتد الى غياب المثال المُجسَّد للتدين الانساني الروحي الأخلاقي. ناقشت بعضهم ساعات طويلة، لماذا يمضي الى مديات قصية في مواقفه السلبية من الدين، لم يعلن أحد منهم أمامي إلحاده بالله، ولم يحاجّني ببراهين المتكلمين على وجوده تعالى، وانما اتفقوا جميعاً على انهم يقرؤون عن حياة روحية، ويسمعون حديثاً مكرراً عن مفاهيم أخلاقية، ومواقف انسانية، غير انهم يفتقدونها فيمن ينادون بها، ولا يرون ملامح صورتها في سلوكهم، ولم يعثروا على من يهتدون بسيرته العملية في المحيط الذي يدرسون ويعيشون فيه. تنبهت الى أن البواعث العميقة للتدين ترتبط عضوياً بحساسيات ومشاعر الانسان وعواطفه، وان الانسان بطبيعته لا يهتدي ايمانياً إلاّ بالقدوة العملية الملهمة، تلك القدوة التي تسقيه الارتواء الروحي، وتمنحه السلام النفسي، وتغمره بالرأفة والشفقة،كي تخلصه من الاغتراب، وتشعره بالحماية والأمن في الحياة.

    الناس كي يؤمنوا؛ يفتشون دائماً عن نموذج بشري مُجسَّد للايمان المتواشج عضوياً بالحب، والحب المتواشج بالايمان. ويحتاجون إلى من يشعرهم بوجود الله في حياتهم، لا من يثبت لهم وجوده كفكرة مجردة، لا صلة لها بحياتهم، مثلما يفعل المتكلمون واللاهوتيون. يحتاجون إلى من يوقظ أرواحهم، ويوصلهم عضوياً بالله، بوصفه المنبع الحقيقي للطاقة الحيوية الايجابية الفاعلة، التي يتغلبون بها على ذلك الوجع الأسود المتفشي في العالم، والذي لا تطيقه قدرة عامة البشر.

     الناس لا يمكنهم الشعور بالله خارج اطار العلاقة بالبشر. يريدون إيماناً حياً، يمشي في الأرض، يعيش مثلما يعيشون، يتحسس أوجاعهم، يسقيهم مطر الرحمة الإلهية من خلال ما تفيضه نفحات روحه عليهم. يتضامن معهم عملياً، في كل ما ينهك حياتهم، ويجتاحهم من عذابات، ويسود عالمهم من آلام. الناس لا يستطيعون العيش من دون عطف وشفقة وتراحم وحنان. الأخلاقيون الروحانيون في كافة الأديان والفرق والطوائف دافئون جذابون، لأنهم يتدفقون شفقة وحناناً على الناس، ويمنحون حياتهم المعنى العملي الذي تفتقر له. وذلك ما تجسّده حياة نبينا "ص" وأخلاقيات سيرته العملية، وسلوكه الكريم، الذي يطبعه؛ الرفق بالناس والعطف عليهم، والرحمة بهم.كانت سيرته مرآة ترتسم فيها القيم والأخلاق الربانية، التي تحدثت عنها الآيات القرآنية، فهو "ص" رحمة للعالمين: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ". الأنبياء: 107. "فِبمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ". آل عمران 159. وهو "ص" مثال أخلاقي مجسد: "وَ إِنَّکَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظيم". القلم 4. وان هدف رسالته يتلخص في بناء الحياة الأخلاقية "إِنَّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَکارِمَ الْأَخْلاقِ". رواه البيهقی، احمد بن الحسين. السنن الکبری. ج 10: ص 323.

    لفتني الحزن والأسى والشعور باليتم الذي عمَّ مجموعة من تلامذتي برحيل الشيخ الآصفي للملكوت الأعلى، فقد كتب لي أحد الكتّاب المعروفين، من تلامذتي المقيمين في أستراليا أنه: "استمر يبكي ساعات طويلة، فور علمه بوفاته". مع أنه ليس من رفاق دربه، ولم يكن على علاقة مباشرة مع المرحوم الآصفي، غير أنه كما ذكر: لن ينسى أبداً مواقفه الإنسانية في احتضانه وزملائه، وتأمين ملاذ لهم، يوم أهملهم الآخرون، وتركوهم مشردين في قم قبل عشرين عاماً، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، ويتلصصون في مكب النفايات ليلاً، عساهم يعثرون على كسرة خبز، أو بقايا طعام.

    وأورد فيما يلي اقتباساً - مطولاً - لما كتبه صديقي وتلميذي علي المدَن ، ذلك أنه أحد الشهود الأحياء على بعض مواقف المرحوم.كتب الأخ المدَن على صفحته في الفيس بك، بعد علمه بنبأ وفاة الشيخ الآصفي:

    (الآصفي رحمه الله صاحب معروف عليَّ، وعلى مجموعة كبيرة من طلاب أهل البصرة، الذين التحقوا بمعاهد الدراسات الدينية في مطلع التسعينيات من القرن الماضي. كنت قد انتقلت للدراسة في قم، وأنا بالكاد أبلغ (14) من عمري. لم أكن أعرف أحداً في المدينة، التي بدت لي وقتها كبيرة ومزدحمة. بدأت الدراسة وأنا لا أملك مكانا يأويني. قضيت ثلاثة أشهر وأنا أنام في الشوارع، وتحت الجسور، وبين أشجار الحدائق العامة. أفترش الأعشاب، وأغتسل بمياه سواقي الأشجار، وأتناول وجبة واحدة في اليوم في أفضل الأحوال. وقد حدثت معي قصص يضيق الوقت الآن عن سرد تفاصيلها.لم أكن وقتها بمفردي، بل معي أكثر من 45 شخصا موزّعين على مجموعات. آنذاك لم نترك باباً لم نطرقه لحل مشكلتنا، ولكن دون جدوى!! ثم جاء الآصفي "وتلته شخصيتان لن أذكر اسميهما الآن"، ليفتح لنا قلبه ومكتبه. زرناه في مكتبه أولاً، وتحدثنا إليه، بل إن أحد أصدقائي قرّعه بخطاب غليظ وصوت مرتفع، وهو منفعل جدا، فما كان رد الآصفي إلا الإنصات وهو مطرق الرأس. ثم رفع رأسه وابتسم، وربت على كتف صديقي، ووعدنا أنه سيزورنا تحت "جسر نيروگاه" حيث کنا نقيم. وهذا ما حدث فعلاً، ثم استأجر لنا بيتاً، ومنحنا كل ما نحتاج إليه من فراش وطعام وأوانٍ وغير ذلك، وبقي يرعى الطلاب، وهو ينقلهم من بيت لآخر، حتى عُرف البيت الأخير بـ "بيت شوشتر"، لأن أغلب الذين سكنوا فيه قدموا من مخيم شوشتر للاجئين العراقيين. ومع أن توفير السكن وجميع ما يحتاجه الطلاب في ذاك الوقت كان أكثر من ضروري وحاسم في التأثير على قرارنا بإمكانية مواصلة الدراسة، إلا أن ما كشفته السنوات اللاحقة كان شيئا أعمق دلالة في معرفة شخصية الرجل. فإذا كان البعض يفترض أن مد يد العون من قبل رجل دين إلى شباب لا ملاذ لهم، يرغبون في طلب العلم، هو أمر "متوقع"، وهو ما لم يحصل وقتذاك حتى بعد قيامنا بجولة مرهقة وطويلة على العديد من الشخصيات البارزة، فإن ما هو "ملفت" أن يكون هذا العون بلا "شروط" ولا "توجّهات" ولا "مقابل". لم يتحدّث به أحد، ولا أريد به أن يكون دعاية لأحد: لا لحزب، ولا لمرجعية، ولا لشخص، ولا لعقيدة أو فكرة معينة. هذا حدث في وقت كانت سوق التحيّزات رائجة، والابتزازات على أشدّها. وهو ما يبرهن في تصوري على أن "الآصفي" لم يكن فقط رجل دين صالح فقط، وإنما هو أيضا نموذج رائع على الاستقامة والحرية والاحترام معا). انتهى ما كتبه علي المدَن.

    رحم الله الصديق الروحاني الأخلاقي المفسّر الفقيه الشيخ محمد مهدي الآصفي، الذي تفوق: بزهده، ونسكه، وورعه، وعفافه، وصدقه، وإخلاصه، وتجسيده لقيم الإيمان وأخلاق النبوة. لقد كان المرحوم العلامة الآصفي مثالاً استثنائياً،لم يتعلم منه الكثير من رفاق دربه: التعفف عن التهافت على المال، والشغف بالجاه، والهوس بالسلطة. يؤسفني أن معظم من يزعمون تمثيل مدرسته، ويتفاخرون به، لا يشي سلوكهم بزهده، ولم يتمثلوا قيمه الروحية وأخلاقياته الانسانية.

     "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ". سورة ق 37.