123

أنت هنا

موسوعة فلسفة الدين

    -A +A

    موسوعة فلسفة الدين

    د. عبدالجبار الرفاعي

    ظهر في تاريخ الاسلام  علماء موسوعيون؛ صنفوا  موسوعات متخصصة في المعارف والفنون المتداولة في عصرهم، تحولت في فترات لاحقة الى مراجع محورية؛ في التفسير وعلوم القرآن، والحديث، والرجال، والفقه، والفلسفة، وعلم الكلام، والتصوف، واللغة وآدابها، والتاريخ، والجغرافيا، والعلوم والفنون المتعارفة لديهم.

    وربما ألف بعضُهم موسوعةً في غير واحد من العلوم؛ كما هو ابن سينا، الذي دوّن "القانون" في الطب، و"الشفاء" في الفلسفة. ولم يعرف تاريخنا تأليفا موسوعيا جماعيا، ينهض به فريق من الخبراء المتخصصين، مثلما شاع اليوم، في اعداد دوائر معارف وموسوعات وقواميس ومعاجم عامة أو متخصصة.

    في هذا العصر صدرت بعض الموسوعات ودوائر المعارف العربية العامة والمتخصصة، بجهود جماعية وفردية. لكن لم تظهر حتى اليوم موسوعة تهتم بـ"فلسفة الدين"، رغم ضرورة تدشين الدراسة والبحث في هذا الحقل البالغ الأهمية والراهنية في الدراسات الفلسفية والدينية . ولاشك ان "فلسفة الدين" حقل لم يتعرف عليه معظمُ دارسي الفلسفة والدين العرب الا قريبا، وحتى الآن لا نعثر الا على كتابات محدودة فيه، وتفتقر المكتبة العربية الى المراجع الأساسية في هذا الحقل، اذ لم تترجم النصوص الأساسية لفلاسفة الدين الغربيين في فلسفة الدين، من الألمانية والفرنسية والانجليزية.

    أخذ "مركز دراسات فلسفة الدين"، على عاتقه؛ بإمكاناته المادية الشخصية المتواضعة، اعدادَ وتحرير "موسوعة فلسفة الدين"، بالعربية؛ وهي محاولة أولية، وخطوة على الطريق الطويل. تضم هذه الموسوعة مجموعة بحوث ومقالات وحوارات جادة في قضايا فلسفة الدين، مترجمةً عن الألمانية والفرنسية والانجليزية والفارسية، بموازاة مساهمات قليلة مما هو مدون بالعربية. ولم نشأ اللجوءَ للنصوص المترجمة، لولا عدم توافر كتابات عربية في هذه الموضوعات حتى هذه اللحظة.

    نتمنى على مراكز الأبحاث والكليات وأقسام الدراسات المتخصصة بالفلسفة والأديان؛ الاهتمامَ بفلسفة الدين، واستيعابَها في اطار برامجهم في البحث والتعليم، والمبادرةَ لتأسيس دائرة معارف شاملة في هذا المضمار، يساهم في تصنيفها مجموعةٌ من خبراء الفلسفة والأديان؛ بغية ان تنتقل الدراسات الدينية بالعربية الى آفاق رحبة، تحررها من التكرار الممل، والمتون العتيقة، وشروحها المعاصرة التبسيطية الهشة.

    تتألف "موسوعة فلسفة الدين" من أجزاء عدة؛ يتناول كل منها القضايا الرئيسة في فلسفة الدين. الجزء الأول منها عبارة عن: "تمهيد لدراسة فلسفة الدين"، يتضمن نصوصا عدة تعالج؛ علاقة الدين والفلسفة، مفهوم فلسفة الدين، موضوعاتها، مجالاتها، مفهوم الدين، علاقة الدين والعقل، الايمان والعقل، وما له علاقة بذلك.

    أنجز هذه النصوص فلاسفةُ دين ومفكرون وباحثون خبراء في فلسفة الدين؛ تتعدد مواطنُهم اللغوية وأديانُهم ومذاهبُهم، لكنهم يلتقون في مقاربة المسائل الدينية من منظور فلسفي، ويفكرون فيما هو مشتركٌ في الأديان، وعابرٌ للحدود الاعتقادية والإثنية والتاريخية والجغرافية والرمزية.

    غير ان المحرر لا يذهب الى وجود كتابة تتحرر من أفق انتظار كل إنسان ورؤيته الكونية، وكينونيته الوجودية، كما تقول الهرمنيوطيقا، الا ان تكوينَ وموهبة المفكرين والباحثين المنشورة مساهماتهم في الموسوعة، ونمطَ عقلانيتهم التي تنتمي الى العالم الحديث، ومنطقَ تفكيرهم، وأدواتِ بحثهم، ومنطلقاتِهم، ووجهتَهم في البحث، وحريتَهم..كلُّ ذلك يجعل النصوصَ المنشورة في هذه الموسوعة معبرةً عن رؤية علمية، تصدر عن عقلانية الحداثة، ورؤياها الحرة الفسيحة، الجسورة، ومغامرتها في المراجعة والنقد، بل شجاعتها في تقويض وإبطال مفاهيمها ومواقفها، وعبورها؛ لحظة اكتشاف تهافتها.

    تتسع "موسوعة فلسفة الدين" في الأجزاء القادمة لموضوعات؛ التجربة الدينية، الوحي والإيمان، الهرمنيوطيقا، لغة الدين، المعرفة الدينية، الدين والعلم، التعددية الدينية، علم الكلام الجديد، الدين والأخلاق.

    نود التنويه الى ان الرؤى والآراء والمفاهيم والمواقف المنشورة في هذه الموسوعة تعبر عن فهم ووجهات نظر واجتهادات كتابها، وليس بالضرورة تمثل المواقفَ والرؤيةَ الخاصة للمحرر