123

أنت هنا

إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين

    -A +A

    المؤلف: د. عبد الجبار الرفاعي

    الناشر: مركز دراسة فلسفة الدين (بغداد)؛ دار التنوير للطباعة والنشر (بيروت)، الطبعة الثانية، (2013).

    قراءة: د. ريتا فرج*

    يستدعي تفاقم العنف والإقصاء المذهبي في العالم العربي، تكثيف الخطاب العقلاني التنويري للخروج من الانسداد التاريخي الذي يمر به الإسلام المصادر من قبل مجموعات وحركات إسلامية عنفية، تحتكر النطق بالمقدس.

    تحدث كثير من الباحثين تحديداً أولئك المهتمين بالفلسفة الدينية عن ضرورة عقلنة الدين والإيمان الجمعي، بغية الحد من الغلو والتطرف، وتكريس الأنسنة، وإعلاء قيمة الإنسان وحضوره في الفضاء الديني الرحب، ما من شأنه أن يؤنسن البعد الإيماني ويبني شراكة تفاعلية بين الأفراد والجماعات.

    يُعد المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي (1954) الحائز على شهادة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية (2005) من بين الكتّاب العرب الذين أولوا قضية الحداثة الدينية اهتماماً ملحوظاً على مستوى الانتاج الفكري، فأصدر عدداً من المؤلفات على هذا الصعيد، يضاف إليها المجلة الفصلية "قضايا إسلامية معاصرة" التي انطلقت عام 1997، وهي تهتم في تحديث الفكر الديني، وقد عدّها المعهد البابوي (روما) في كتابه السنوي (2012) بعدما انتخب بعض نصوصها في مختلف أعدادها، وترجمها الى الايطالية والانكليزية والفرنسية، أهم دورية عربية في العقدين الأخيرين في مجال تخصصها المعرفي.

    يعتبر الرفاعي في خلاصاته العامة حول تحديث التفكير الديني أن البناء الحقيقي يقتضي إشاعة فهم عقلاني متسامح للدين، يبعث الأبعاد التنزيهية العميقة في جوهره، ويعمم صورته الإنسانية، تلك الصورة المغايرة لما تريده الجماعات التي تعمل على تقديم صورة متوحشة زائفة للدين؛ ويرى أن رسالة الدين ومقاصده الكلية غايتها إشاعة السلم والتراحم والمحبة بين الناس، والسعي إلى تجفيف منابع العنف والعدوانية والتعصب؛ والنقد عنده مصدر التطور الفكري والاجتماعي، وأساس التقدم، وشريان تحديث كل شئ وتجديده، ولا حياة للتفكير الديني في الإسلام الا بتواصل المراجعة النقدية واستمرارها. لا سبيل لجني معطيات النزعة الانسانية في الدين _ كما يؤكد الرفاعي_ إلاَّ بتخطي المقولات النمطية المغلقة في اللاهوت الكلاسيكي، ما يتطلب فتح باب الاجتهاد في علم الكلام، وتحديث التفكير اللاهوتي؛ وهذا يعني طرح تساؤلات واستفهامات جديدة، عبر القراءات النقدية للتراث الكلامي، تفضي الى التحرر من الصورة النمطية للإله، التي تشكلت في سياق الصراعات الدامية، والفتن والحروب العديدة بين الفرق والمذاهب.

    في كتابه "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين" يقدم المؤلف مجموعة من النصوص عمادها السعي إلى اكتشاف وظيفة الدين الأصلية في إنتاج معنى لحياة الإنسان، والدعوة إلى احترام كرامة الكائن البشري، وإشاعة السلام بين المجتمعات البشرية عبر دراسة الأديان ومقارنتها، واستلهام الميراث المعنوي العميق، واستدعاء التجارب الروحية التطهيرية، وبناء إلهيات عقلانية، تساعد على التحرر من التفسيرات التعسفية القمعية للنصوص.

    ينشغل صاحب "جدل التراث والعصر" (2001) بجملة من الإشكاليات الأساسية: كيف يمكن بلورة الإسلام التراحمي في ثقافتنا؟ ما هي الأدوات المعرفية المؤسسة للعقل النقدي التي من شأنها تغليب الأنسنة على النزعات العنفية والتكفيرية والإلغائية؟ هل تؤدي مأسسة التسامح وقبول الآخر التي تجد مساحات واسعة في القرآن الكريم إلى الخلاص من الإيديولوجيات الدينية القمعية؟

    ينطلق الكاتب من نقد ما يمكن أن نسميه "العقل النصوصي" أو العقل الإسترجاعي المنغلق والماضوي والمناهض للعقل الحداثوي/ التساؤلي، أي عقلنا الراهن بوسائله وعدّته التأويلية التي تجيب على الأسئلة الكبرى في الدين والاجتماع الإسلامي وما ينتجه من تحديات.

    لا ينفصل الكتاب في فصوله عن مساءلة التراث والدعوة المتكررة إلى الإصلاح الديني، بهدف إستنهاض لاهوت إسلامي/ سجالي قادر على تجاوز الإنغلاقات التاريخية، والنهوض بالإنسان، عقلاً وروحاً وشراكة إيمانية فاعلة، تقطع مع فقه التنابذ الذي يجافي الشروط الغفرانية والتسامحية والإنسانية المفعلة والحاضرة بكثافة في الإسلام القرآني.

    يستحضر صاحب "تطور الدرس الفلسفي في الحوزة العلمية" (2000) مفاهيم المعنى والوجود عند جلال الدين الرومي (1207_ 1273)، ناظراً إليها بوصفها ميراثاً ينشد كرامة الكائن البشري، ويرسخ النزعة الإنسانية في الدين، ويؤسس للمحبة والأمل والعشق والتعددية، بغية الخروج من مقولات نفي الآخر والتشاؤم. استحضار جلال الدين الرومي يأتي في سياق الانفتاح على المنظومة الغنية التي تركها والتي تنفتح على حقول متنوعة من المعارف الدينية؛ يقول الرفاعي أننا بأمس الحاجة إليها في عصر يغلب عليه فهم حرفي للنصوص، أفضى إلى صوغ التعصب.  

    يجادل الكاتب طروحات المفكر المصري، منظِّر اليسار الإسلامي حسن حنفي (1935)، التي صاغها في مؤلَّفه الشهير "من العقيدة إلى الثورة"  وكذلك المفكر الإيراني علي شريعتي (1933_ 1977)  واضع كتاب "بناء الذات الثورية"، ناقداً أفكارهما حول العقيدة كمنطلق للثورة، عبر تحليل المدلول الاجتماعي لأصول الدين، واستلهام الثورة من العقيدة. وينتهي إلى القول إن الأدلجة التي أنجزها كل من شريعتي وحنفي أدت إلى "دنيوية الدين" وإفراغه من محتواه المعنوي والإنساني والرمزي.

    تحت عنوان "فلسفة الدين ولاهوت الحرية" يستكمل الرفاعي في حوارٍ أجرته معه صحيفة "المدى" العراقية أفكاره التي بدأها في النصوص السابقة، متحدثاً عن قضايا عدة مثل فلسفة الدين، والتأسيس للحوار مع الآخر عبر معرفته، ومكاشفته.

    يدرس الكاتب أنموذجين في تحديث التفكير الديني، الأول، أنموذج إسلامي إصلاحي عربي أرساه الإمام الإصلاحي محمد عبده (1894_ 1905)؛  والثاني، أنموذج إصلاحي إسلامي هندي نهض به محمد إقبال (1873_ 1938).

    على أهمية الدراسات الأخرى المدرجة من ضمنها "جدل العلاقة بين الإستبداد والعبودية الطوعية" و "إسلامية المعرفة: قضية إيديولوجية من دون مضمون معرفي"، ثمة نصان يستحوذان على الإشكاليات الأساسية المطروحة في الكتاب هما: "من أين تشتق الكراهية مفاهيمها؟"؛ "الأخلاق والنزعة الإنسانية في الدين".  

    في النص الأول يقارب صاحب "مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد" (2005) منابع الكراهية في ثقافتنا، مؤكداً أن اشتداد سطوة التراث* خصوصاً لجهة ما يسود في المجتمعات العربية من نزعات تعصب، تعرقل كل فكر إبداعي جديد، ليس على قاعدة رفضه (أي رفض التراث)، إنما بما يمثله من مجموعة معانٍ، وأن هناك شروط لغوية وثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية لانتاج المعنى. ينقد الرفاعي دعاة الاستسلام للتراث واستدعائه بعناصره كافة في حاضرنا، داعياً إلى أن يتجاوز الإيمان ما تراكم من شروح وتأويلات عبر التاريخ، ويكون إيماناً نقدياً، ما يتيح مواكبة إيقاع الحياة وتخطي النرجسية الدينية والمنطق العقائدي الأحادي. وفي سبيل زحزحة ثقل التراث، على أساس أن المسلمين أبناء عصرهم، لا بد من إحياء حركة الاجتهاد وإعادة تشكيل الرؤية التجديدية للخروج من سيطرة القراءة السلفية التبسيطية للنص التي تولدت في بيئة من التراجع الحضاري. يقول الرفاعي: "ترتكز معظم الإلهيات الموروثة على استبعاد ونفي الآخر، وتكرس مركزية لاهوتية مطلقة.... إن حقلاً عريضاً من هذه الإلهيات لا محل فيه للحرية الدينية، أو افساح المجال للآخر، ومساواته بسواه من الرعايا على أساس مفهوم المواطنَة". والحال، من المهم، تحليل ودراسة منابع اللاتسامح، وبواعث العنف، والاعتراف أن الكثير منها يكمن في الفهم الخطأ للدين. يحلِّل الرفاعي المساحات الواسعة للتسامح والغفران وإنتفاء كل أشكال الضغط والإكراه عن الأديان والعقائد كافة، كما أكدتها الرؤية القرآنية، التي منحت الإنسان حرية الاختيار، رغم أنها لا تساوي بين الهدى والضلال.

    استند النص الثاني "الأخلاق والنزعة الإنسانية في الدين" إلى نقد  ما يصدر عن الجماعات المغلقة من قراءات ضيقة للنصوص المقدسة، تتنافى مع الإسلام الحضاري وتعبيراته التمدينية والجمالية. يسعى الرفاعي إلى تأكيد وبرهنة تجذر النزعة الإنسانية في الدين الإسلامي، وقد سبق لعلماء عرب العمل على هذا الموضوع، أمثال: محمد أركون* (1928_ 2010) وجورج مقدسي (1920 _ 2002). يعرض الكاتب في تعقبه للنزعة الإنسانية في الإسلام بعض المصادر التي كرست محورية الإنسان، ككائن كوني، يستوعب كل التجارب الايمانية المتنوعة، فيستشهد بابن عربي وشهاب الدين السهروردي وغيرهما. لا ينحصر التحليل عند هذا المستوى بل يقرأ الآيات القرآنية الداعية إلى الرحمة، وقد لاحظ أن هذه الكلمة ومشتقاتها تكررت في القرآن الكريم أكثر من 330 مرة. في الختام يخلص إلى أن السبيل للتخلّق بأخلاق الرحمن يتحقق عبر إنقاذ النزعة الانسانية في الدين وإضاءة أبعاده الخلاقية والمعنوية والرمزية.

    يتقاطع كتاب "إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين" مع أزمنة عربية قروسطية، تتصاعد فيها العنفيات ونسيان الإنسان. ليس سهلاً مقارعة هذا العنف التاريخي برؤى إنسانية تحاول الحد من جذور التطرف. لقد آن الأوان لفهم تاريخنا الديني والسياسي ونقده علَّنا نخرج من كل هذه الاكراهات التي تعرقل مسيرة تقدم المسلمين والعرب.

    يبقى أن الكتاب تحتاج أفكاره وفرضياته وإشكالياته إلى استكمال في عمل موسع وأكثر شمولية، يغطي حاجتنا الملحة إلى إسلامٍ تتسع فيه رحابه الأنسنة، ما يسمح بالقفز المعرفي على عقليات الإلغاء ونفي الآخر.        

    لنک الکتاب : http://rifae.com/uploaded/35_344.pdf

     

     

    *  باحثة لبنانية.

    *  في تعريفه للتراث يقول الرفاعي: " التراث بمعنى مجموعة الممارسات الدينية والعقائد والمفاهيم السائدة في حقبة معينة من حياة المسلمين، هو مفهوم ثقافي أنتروبولوجي، والمجال مفتوح أمام المسلمين في كل زمان لنقد ذلك التراث وتفكيكه، إذ بوسعهم غربلة ونقد المفروضات والقبليات والخلفيات والميول، ومقدمات فهم الكتاب والسُنّة، والتطلعات الدينية الموروثة من عصور سالفة".

    *  يقول محمد أركون إن الإسلام شهد الأنسنة قبل أن تشهدها أوروبا في القرن السادس عشر إبان عصر النهضة، ولكن هذه الحركة الناتجة عن مزج الفلسفة الإغريقية بالدين الإسلامي أُجهضت ولم تدم طويلاً، وحل محلها قرون المدرسانية منذ القرن الثالث عشر، في حين ظلت الأنسنة أو النهضوية الأوروبية مستمرة وصاعدة من القرن السادس عشر وحتى اليوم. (را: أركون، محمد: معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية، تعريب هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، 2001).